المقريزي
65
إمتاع الأسماع
ليلة ، إلا مكة وطيبة ، فهما محرمتان على كلتاهما ، كلما أردت أن أدخل واحدة ، أو واحدا منهما ، استقبلني ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها ، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها . قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وطعن [ أو طن ] بمخصرته في المنبر : هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة ، يعني المدينة ، ألا هل كنت أحدثكم ذلك ؟ فقال الناس : نعم ، فإنه أعجبني حديث تميم ، أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه ، وعن المدينة ، ومكة ، إلا أنه في بحر الشام ، أو نحو اليمن ، لا بل من قبل المشرق ، ما هو من قبل المشرق وما هو من قبل المغرب ، ما هو ، وأومأ بيده إلى المشرق ، قالت : فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له عدة طرق ، تدور على الشعبي ( 1 ) .
--> ( 1 ) مسلم : ( 18 / 291 - 297 ) ، كتاب القتن وأشراط الساعة ، باب قصة الجساسة ، باب ( 24 ) ، ( حديث رقم 119 ، 120 ، 121 ، 122 ، 123 ) ، وهذا الحديث معدود في مناقب تميم الداري رضي الله تبارك وتعالى عنه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم روى هذه القصة وهي من باب رواية الفاضل عن المفضول ، والمتبوع عن تابعه ، وفيها دليل على قبول خبر الواحد . [ والجساسة - بفتح الجيم وتشديد السين المهملة الأولى - سميت بذلك لأنها تتجسس الأخبار للدجال ] . [ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله تبارك وتعالى عنهما أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن ] ، في قوله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) النمل : ( 82 ) . [ وفاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان ابن محارب بن فهر القرشية الفهرية ، إحدى المهاجرات الأول الجميلات العاقلات النبيلات ، كانت عند أبي عمرو بن حفص [ بن عمرو ] بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي ، واسمه : عبد الحميد ، وقيل : اسمه كنيته . طلقها لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب ، رضي الله تبارك وتعالى عنه ، حين وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرا على اليمن ، وبعث إليها تطليقة ، وهي بقية طلاقها ، ثم مات هناك مع علي رضي الله تبارك وتعالى عنه ، فتأيمت - أي صارت أيما - وهي [ التي ] لا زوج لها ، فخطبها معاوية ، وأبو جهم بن حذيفة ، فاستشارت النبي صلى الله عليه وسلم فيهما ، فأشار عليها بأسامة بن زيد ، فتزوجته ] . [ وذكر البخاري في ( التاريخ ) أنه عاش إلى خلافة عمر ، رضي الله تبارك وتعالى عنه ] . [ وقولها : " فأصيب " ، وليس معناه أنه قتل في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأيمت بذلك ، بل إنما تأيمت بطلاقه البائن ، ويكون معنى فأصيب [ بجراحة أو أصيب ] في ماله أو نحو ذلك ، وأرادت عد فضائله ، فابتدأت بكونه خير شباب قريش ، ثم ذكرت الباقي ] . [ وقوله : " وأم شريك من الأنصار " أنكر هذا بعضهم وقال : إنما هي قريشة ، وهي من بني عامر بن لؤي ، واسمها غزية ، وقيل : غزيلة . وذهب آخرون إلى أنهما ثنتان : قريشة وأنصارية ، فالقرشية العامرية هي : أم شريك غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حجر . ويقال : حجير بن عبد معيص بن عامر بن لؤي [ وقيل : هي أم شريك بنت عوف بن جابر بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر ابن لؤي ] وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، على خلاف في ذلك قد ذكرته في كتاب ( إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع ) ، [ عند ذكر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ، قال محققه : راجع ( إمتاع الأسماع ) بتحقيقنا : الجزء السادس . وأما أم شريك الأنصارية فمن بني النجار ، ولم يذكرها ابن عبد البر ، وإنما روى الحاكم في ( المستدرك ) عن طريق محمد بن إسحاق : حدثنا أبو الأشعث ، حدثنا زهير بن العلاء ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قال : وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شريك الأنصارية من بني النجار قال : " إني أحب أن أتزوج في الأنصار " ، ثم قال : " إني أكره غيرتهن " فلم يدخل بها . [ وقوله : " انتقلي إلى ابن عمك : عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم " وهو رجل من بني فهر - فهر قريش - وهو من البطن الذي هي منه - ابن أم مكتوم صفة لعبد الله لا لعمرو ، فإنه عبد الله ابن أم مكتوم [ وهي أمه فينسب تارة إلى أبيه عمرو ، وتارة ينسب إلى أمه أم مكتوم ] ، فينبغي أن يكتب في قولنا : ابن أم مكتوم بألف في " ابن " وفي قولها هذا إشكال ، فإن ابن أم مكتوم من بني عامر بن لؤي ، وفاطمة بنت قيس من بني محارب بن فهر ، فكيف يكون ابن عمها ، وأنها من البطن الذي هو منه ] ؟ . [ وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن المراد بالبطن هاهنا : القبيلة ، لا البطن الذي هو دون القبيلة ، والمراد ابن عمها مجازا ، لكونه من قبيلتها . وفيه نظر ] ! ( هدي الساري ) . قال أبو الفوز محمد أمين البغدادي الشهير بالسويدي : إعلم أن العرب كلها ترجع إلى أصلين : عدنان ، وقحطان ، وكان الملك في الجاهلية لقحطان حتى نقله الإسلام إلى عدنان ، ولكل واحد منهم فروع اتفقت العرب فيما نقل إلينا على أن جعلتها ست طبقات ، وكذلك عدها أهل اللغة . الطبقة الأولى : الشعب بفتح الشين ، وهو النسب الأبعد كعدنان مثلا ، قال الجوهري : وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه وبجمع على شعوب . قال الماوردي في الأحكام السلطانية : وسمي شعبا لأن القبائل تتشعب منه ، وذكر الزمخشري في كشافه نحوه . الطبقة الثانية : القبيلة وهي ما انقسم فيه الشعب كربيعة ومضر . قال الماوردي : وسميت قبيلة لتقابل الأنساب فيها ، وتجمع القبيلة على قبائل وربما سميت القبائل جماجم أيضا كما يقتضيه كلام الجوهري ، حيث قال : جماجم العرب هي القبائل التي تجمع البطون . الطبقة الثالثة : العمارة بكسر العين وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة وتجمع على عمارات وعمائر . الطبقة الرابعة : البطن ، وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم ، ويجمع على بطون وأبطن . الطبقة الخامسة : الفخذ . وهو ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم ، وبني أمية ، ويجمع على أفخاذ . الطبقة السادسة : الفصيلة . بالصاد المهملة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس وبني عبد المطلب هكذا رتبها الماوردي رحمه الله في الأحكام السلطانية ، وعلى نحو ذلك جرى الزمخشري في تفسيره في الكلام على قوله تعالى : ( وجعلناكم شعوبا وقبائل ) [ الحجرات : 13 ] إلا أنه مثل الشعب بخزيمة ، وللقبيلة بكنانة ، وللعمارة بقريش ، وللبطن بقصي ، وللفخذ بهاشم ، وللفصيلة بالعباس . وبالجملة ، فالفخذ يجمع القبائل ، والبطن يجمع الأفخاذ ، والعمارة تجمع البطون ، والقبيلة تجمع العمائر ، والشعب يجمع القبائل ، وإنما يعلو بعضها على بعض بشرطين : قدم المولد ، وكثرة الولد ، وليس دون الفصيلة إلا الرجل وولده . قال النووي في ( تحرير التنبيه ) : وزاد بعضهم العشيرة قبل الفصيلة . قال الجوهري : وعشيرة الرجل رهطه الأدنون . وحكى أبو عبيد ، عن ابن الكلبي ، عن أبيه : تقديم الشعب ، ثم القبيلة ، ثم الفصيلة ، ثم العمارة ، ثم الفخذ ، فأقام الفصيلة مقام العمارة في ذكرها بعد القبيلة ، والعمارة مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ ، ولم يذكر ما يخالفه ( سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب ) : 13 - 14 .